سهيل الحويك
كرة القدم التي أعشق
20, Oct

2017

العشقُ، بمعناه الأكبر، لا يمكن أن يأتي انتقائياً، فهو إمّا يكون شاملاً أو لا يكون.

ولا شك في ان العلاقة الوطيدة بين معشر كرة القدم واللعبة بحد ذاتها لا تخرج عن نطاق عشقٍ لكن من نوع متمايز عن غيره.

أرى بأن ثمة رابطاً عضوياً في تلك العلاقة، جاذباً لا يمكن بأي حال من الأحوال استسخافه والذهاب الى حيث ذهب كثيرون ممّن هم خارج «المحور الكروي» في قولهم ان كرة القدم «مجرد لعبة» او مضيعة للوقت او «أفيون الشعوب» بالمنحى السيئ للنوايا.

أمثلة قد تساق هنا لاثبات واقع لا يعيشه، للأسف، «غرباء عن المستطيل الأخضر» ممّن لا يرفّ لهم جفن ازاء تسديدة، خطأ، هدف، ونشوة جمهور.

دموع الارجنتيني دييغو ارماندو مارادونا بعيد نهائي كأس العالم 1990، او ربما دموع الفرنسي دافيد تريزيغيه الذي اضاع ركلة ترجيح ادت الى خسارة «الديوك» امام ايطاليا في نهائي مونديال 2006. ألا يعني ذلك شيئاً؟

وإن اخذوا عليّ استشهادي بذكريات درامية، احيلهم الى الاحتفال المشهود لمارادونا نفسه على عشب استاد «ازتيك» في مكسيكو سيتي اثر الفوز على ألمانيا الغربية (سابقاً) 3-2 في نهائي البطولة ذاتها، او الى الانفجار المجنون لتريزيغيه ذاته بعد «هدف ذهبي» زرعه في الشباك الايطالية في نهائي «يورو 2000» الذي أقيم بضيافة مشتركة بين هولندا وبلجيكا.

هذه «مشاعر صادقة» تتفاوت ما بين بكاءين اثنين، احدهما أسى وثانيهما نشوة، وهي تتجاوز، بما لا يدع اي مجال للشك، محاولات «خنق» كرة القدم في بوتقة «اللعبة الرياضية» المعرّاة من الاحساس والتفاعل.

هذه هي كرة القدم التي أعشق.

وقد تكون الرياضة الاكثر شعبية في العالم «سيئة»، ليس بفعلها بل بفعل من اراد اتخاذها منصة لولوج مبتغى.

فما يسمى بـ «حرب كرة القدم» لا يزال راسخاً وسيبقى كذلك، خصوصاً بالنسبة الى طرفيها، هندوراس والسلفادور الواقعتين في منطقة اميركا الوسطى، واللتين عاشتا مئة ساعة من المعارك الضارية خلّفت دماراً كبيراً وضحايا بالآلاف بسبب مباراة جمعت بين منتخبيهما ضمن التصفيات المؤهلة الى كأس العالم 1970.

صحيح ان حدة الصراع بين البلدين تصاعدت عام 1969 على خلفية قضايا سياسية مرتبطة بالهجرة وقرار حكومة هندوراس باقتلاع ملكية أراض تعود الى اكثر من 300 ألف سلفادوري هاجروا واستقروا سابقاً فيها، بيد ان كرة القدم كانت قطعة الـ PUZZLE الناقصة التي بها اكتمل مشهد حتمية الحرب بين الدولتين.

وبعد طي الصفحة السوداء التي تسببت بها اللعبة، بقيت الاخيرة بريئة مما جرى عام 1969، ولا شك في ان التصفيات المؤهلة الى كأس العالم وتشهدها منطقة الـ «كونكاكاف» (اميركا الشمالية والوسطى والبحر الكاريبي) دورياً، فضلا عن بطولة الكأس الذهبية التي تجمع منتخبات الاقليم بما فيها هندوراس والسلفادور، مرة كل سنتين، اكدت دائما بأن العلاقة بين كرة القدم وشعوب تلك المنطقة تتخذ صفة العشق الصافي، ولو كانت عكس ذلك، لما عاشت فيها حتى اليوم.

دليل اخر على عدم تأثر دول تلك المنطقة بحرب 1969 يتمثل في الانفجار الجماهيري الذي وقع في المدرجات اثر ضمان كوستاريكا ومن ثم بنما مقعديهما في مونديال 2018، وهندوراس نفسها المقعد المؤهل لمواجهة خامس تصفيات آسيا (استراليا) في الملحق العالمي المؤهل إلى «روسيا».

وهذه أيضاً كرة القدم التي أعشق.

في السنوات الاخيرة، بدا جلياً بأن كرة القدم، الاوروبية بشكل خاص والصينية بشكل مستجد، آخذة في التحول الى سلعة من خلال استغلالها كمنتج تسويقي لتحقيق ربحية مادية.

جرى الربط بين الاهداف التجارية والرياضية عبر فرض واقع جديد يتمثل في شراء النجوم بمبالغ تجاوزت حدود المعقول.

وفي الوقت الذي تدرك فيه الاندية الاوروبية الكبرى بأن سياسة التسويق «الخارجي» قائمة على اسمها تحديداً ومدى النجاحات التي تحققها في ارض الملعب وعلى امور اخرى، فإن اندية الصين التي بدا وكأنها صحت من العدم، قادرة على تحقيق اهدافها التجارية «داخلياً» مستغلةً واقع عديد سكانها الذي يناهز 1.4 مليار نسمة.

لقد تحوّلت الاندية الاوروبية الى مؤسسات تجارية تبتغي الربح المادي، وهذا حقها طالما ان اعمالها تساير القانون وتحترم «اللعب المالي النظيف» المفروض من الاتحاد الاوروبي للعبة قبل سنوات، بيد انها فقدت وطنيتها بدليل سطوة العنصر الأجنبي على صفوفها، وهي ظاهرة سيئة بالنسبة الى البعض، وقد فرضت ذاتها منذ تطبيق ما يعرف بـ «قانون بوسمان» ابتداء من 1995، وسمحت للنادي الأوروبي بضم ما لذّ وطاب له من لاعبين من دون قيد رقمي يمنح الافضلية لـ «المواطن».

وفي مقابل «براءة» المنافسات على مستوى المنتخبات وبُعدها عن التدخل الصارخ للعنصر المادي، ها هي اللعبة تتحول، على مستوى صراع الاندية، الى مسرحية بعنوان «ادفع... تُرفع»، وهذه هي كرة القدم... التي لا أعشق.
التعليقات
965+

عدد الحروف 300

أكثر الأخبار مشاهدة
أخبار ذات صلة
مقالات
تصويت
توقعاتكم للفائز بجائزة الكرة الذهبية الذي سيعلن عنه يوم الخميس 7 ديسمبر ؟
ميسي 68.59%
كريستيانو30.89%
لاعب آخر0.52%

Top